ألوان الوطنية اللبنانية ودور الإغتراب في التغيير

 مداخلة ألقيتها في جلسة حوارية أقامتها جمعية النهضة في باريس بتاريخ 26 أيار 2023. وهي تستعرض، في قسم أول، ملامح اتخذتها الوطنية اللبنانية خلال قرن من الزمن. وتوجه الانظار في  قسمها الثاني إلى ضرورة علاقة نوعية مع الإغتراب
. لم تكن الوطنية اللبنانية يوماً منذ ولادة دولة لبنان الكبير (1920) وطنية جامعة. ”هذا الطفل، يوم وُلد، لم يكن أحد من أهله راغباً فيه…“ بحسب المؤرخ والأديب احمد بيضون. ولم تتفق القوى السياسية الطائفية على معنى واحد للبنان في محيطه. في البداية،  تحفط بعض مسيحيّو الجبل على تكبير  جبل لبنان وجهر المسلمون برفضهم لبنان الكبير، ثم تقبّلوا هذه الوطنية وأظهروا تصميمهم على تحسين شروطها. فكانت وطنية خجولة
 الفكرة اللبنانية استبطنت في الأصل ”القومية اللبنانية“ وأدخلت التواريخ الخاصة للمناطق المضمومة إلى جبل لبنان في منظور الطائفة المارونية. والأخيرة أبرزت تاريخها على أنه تاريخ دفاع عن الاستقلال ومقاومة الحكم العثماني. ثم أتى ميثاق  1943 حيث تُركت المطالبة بالوحدة العربية (أو السورية) مقابل ترك المطالبة بالحماية الأجنبية. وهكذا تميّزت فكرة الوطنية اللبنانية عن فكرة سوريا الكبرى وفكرة الوحدة العربية.
وفي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وبفعل عوامل إقليمية عديدة أدّت إلى انتعاش الاقتصاد المحلي،  ترعرع نبضٌ وطنيٌ لبناني حديث في جو من الليبرالية الاجتماعية وبتأثير الغرب الليبرالي.
ومع تقدم بناء المؤسسات، تنامى الشعور بالانتماء الوطني وسادت لغة عن ”الوحدة الوطنية“ و“الدولة الحديثة“ والعدالة الاجتماعية. والملفت تغييب الكلام  والجدال عن الطائفية .كان الجميع يعلم، أن الطائفية هي أساس النظام السياسي لكنهم كانوا يؤثرون التورية بالحديث عن ”العائلات الروحية“. ولعل تجربة منبر”الندوة اللبنانية“ خير تعبير عن أجواء هذه الوطنية.  فكانت محاضرات وحوارات وجوه الفكر والسياسة والثقافة تغّذي بيئة مواتية للحوار بين الاسلام والمسيحية. لكن المحاورين لم يعالجوا  المشكل الطائفي. وفي السبعينات كثرت الأسماء المحايدة التي تخفي الهوية المذهبية. وفضّل البعض اختيار أسماء قابلة للفظ بالعربية والأجنبية تحسباً للهجرة القادمة ربما

وفي مرحلة النضال ”الوطني“ التحرري من الاستعمار بعد نكبة فلسطين، دخل مفهوم الوطنية في عملية تدوير جغرافية، على وقع تطور الُمعاش وخصوصياته داخل كل قطر. فازدهرت الوطنيات القطرية. ففي سوريا “قلب العروبة النابض“ استقرت الوطنية السورية على عروبة الصمود والتصدي وعلى  شعارات وحدة المسار والمصير. كما وبعد هزيمة المشروع القومي العربي لتحرير فلسطين، برزت وطنية فلسطينية استقطبت تطلعات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. وبانت مركزية القضية الفلسطينية في تحديد مفهوم الوطنيات الناشئة والمنخرطة في الصراع مع المشروع الصهيوني. فالوطنية اللبنانية. بقيت مفتوحة على تصلب في  المواقف المتعادية، وعلى تقوقع الطوائف على ذاتها، وعلى تزايد في تبعيتها للأطراف الخارجية. وأدت سياسة ”القرار الوطني الفلسطيني المستقل“ الى أزاحة الصراع مع المشروع الصهيوني، من صراع عربي-اسرائيلي إلى صراع فلسطيني-اسرائيلي.
وشهدنا خلال الحرب الأهلية ”لبنانوية“ الوحدة الوطنية ذات اللون المسيحي، والحديث عن ”الطوائف الوطنية“، ودعوات للتقسيم. ووصلنا بعد اتفاق الطائف إلى ”لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه“، وإلى شعارات ”وطن الرسالة“، ولبنان أولاً. والآن كلٌ يُغنّي على ليلاه الوطنية في طوابير انتظار جواز السفر . 
الوطنية اللبنانية إذن، مطاّطة وتحمل أَعلام طوائفها الملوّنة. فلبنان دولة يتدخل فيها الجميع. حدودها في حالة حرب مع اسرائيل ومفتوحة على التبعيات الخارجية. وتبقى المشكلة في رؤية اللبنانيون لأنفسهم، ولهويتهم الذاتية. وكيفية تصوروهم لمستقبل دورهم داخل المحيط المباشر فالأوسع. والصورة الإجمالية أن الوطنية اللبنانية ترتسم في أحسن الأحوال حلماً فيروزياً. وفي أوسعها انتشاراً، وطنيات مبندقة على سنّة: ”اللي بيتزوج أمي بيصير عمي“

لن يأتي التغيير الحقيقي إلا بعد إرساء علاقة نوعية بين المغترب والوطن.
لبنان الراهن، وطنٌ لديه أبناء من نوع مميّز. ف“الشعب اللبناني“ تعرّض في تاريخه إلى هجرات متلاحقة. وكانت هجرته في أوقات السلم تفوق أيام الحرب. ويعيش اليوم، موجة هجرة كبيرة تطال  كل الطبقات والطوائف، وتنتج تشوهات اجتماعية. وتطال بشكل خاص جيل شاب ما بين 19 و 25 سنة. 

وأبناء الشعب اللبناني  يمكن ترؤيتهم على هذه الشاكلة: هناك المقيمون بصورة دائمة، وهناك مغتربون هم في الواقع مواطنون لديهم عدّة أوطان (بحسب جهاد الزين) وتتغيّر علاقات أبناءهم مع وطنهم الأصلي بمرور الزمن. وهناك منّ يتنقل منه إليه، لفترات قصيرة أو طويلة. وفئة تعيش هجرة مؤقتة، أو هجرة باتت عتيقة  » ولو أنها تعيش على أمل العودة يوماً. كما نجد لبناني عاد بالفعل ويتهجّر من جديد، بالإضافة إلى”لبنانيين“ منقطعين عنه منذ عدّة أجيال. والمغتربون على تنوعهم، يمثّلون الأكثرية من حيث العدد بغض النظر عن الأرقام الهمايونية التي تُعلن (أهمية إحصاء دقيق). فمن الواجب أن يكون هؤلاء المواطنين متساوين في حقوقهم السياسية والإنسانية. ومن واجبهم إبداء الرأي والنظر فيما يُرسم لهم من مصائر 
ولا يمكن تصوّر لبنان من دون مغتربيه، ولا إغفال خصوصيات العلاقة التي تربطهم بأرض الوطن، ولا اتساع الإنتشار اللبناني في العالم. فلكل اغتراب قصة من حيث مدة الانقطاع ووتيرة التواصل مع البلاد. ونرى صورة لبنانيو الخارج، أقرب إلى شخصية” المواطن العالمي“ في ميوله وفي أنماط العيش والملبس. نجدهم ينخرطون بدون تعقيد في المجتمعات الجديدة. ينهلون من ثقافتها التي تعزز الأنسان الفرد، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين، يحترمون الأنظمة والقوانين، يتقبلون بسهولة لافتة قيم المواطنية. ويتمسكون بقيمة الحرية الشخصية التي تمكّنهم من تنمية قدراتهم ومواهبهم، من غير معوقات كبرى، كما هي الحال في لبنان

وقد سجل ”اللبناني“ نجاحات مرموقة هي مدعاة فخر واعتزاز للجميع. وهي تشمل كل المجالات البحثية في العلوم والاقتصاد والصحة والإعلام… ولديه خبرات من أعلى مستوى. فلا صحة لمقولة ”كل فرنجي برنجي“. حان الوقت لأن نتعاطى بشكل مختلف مع الواقع الاغترابي. وأن نعطي مضمون لشعارات مثل ”للبنان جناحين“. وأن نستفيد من احتياط الطاقات المعطّلة. وأن نجعل من العلاقة المميّزة مع الإغتراب، قيمة مضافة تكون أساس رؤية ومشروع لمستقبل. فلبنان، له أبناء يملكون قدرات اقتصادية، ويحظى بنخب قادرة على إعطاء معنى جديد للبنان القادم. والنخب الإغترابية تملك قدرة النظر عن بُعد، وتختبر نماذج حكم مختلفة، وهي أكثر حرية من نخب الداخل تجاه الضغوطات المتنوعة، والعقد المرضية القائمة في المجتمع اللبناني. 
وإذا كان الوطني هو الذي يُحبّ وطنه ويتضامن معه في جميع الأوقات، فهل يمكن تحويل مقادير الحبّ الذي يملكه اللبنانيون إلى مبادرات سياسية ايجابية.
 نحتاج اليوم إلى وطنيين توحيدين لا طائفيين، وهم أكثرية في الإغتراب، يرفعون شعار حبّ الوطن وحبّ أرضه، وخصوصاً حبّ كل مواطِنيه. ولن يأتي ذلك إلا بنبذ مشاعر الحقد والكراهية من صفوفنا. وبالعمل على بناء دولة لاطائفية يكون ميثاقها المواطنة بما هي وطنية لبنانية جديدة، حريصة على كينونتها وتاريخ مجتمعها، وتحمل مشروع وطن متحرّر من أي هيمنة خارجية، وتبني الدولة العادلة والمجتمع على أسس انسانية نظيفة من المحسوبيات المذهبية. وتصوغ نموذجاً يعالج النفوس العنصرية ويَصلح لأدوار كبيرة في تحقيق العدالة للقضية الفلسطينية والسلام